عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
232
اللباب في علوم الكتاب
بكم ؛ فلم تسمعوا قولي ، ولم تقبلوا نصيحتي « فكيف آسى عليكم » ، بمعنى أنّكم لستم مستحقّين بأن آسى عليكم . قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ الآية . لمّا عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء ، وما جرى على أممهم كان من الجائز أن يظنّ أنّه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال إلّا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط ؛ فبيّن في هذه الآية أنّ هذا الهلاك قد فعله بغيرهم ، وبيّن العلّة الّتي فعل بها ذلك فقال : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ، وفيه حذف وإضمار وتقديره : « من نبيّ فكذّبوه ، أو فكذبه أهلها » . وذكر القرية ؛ لأنّها مجتمع القوم ، ويدخل تحت هذه اللّفظة المدينة ؛ لأنّها مجتمع الأقوام . قوله : « إلّا أخذنا » هذا استثناء مفرّغ ، و « أخذنا » في محلّ نصب [ على الحال ] « 1 » والتّقدير : وما أرسلنا إلّا آخذين أهلها ، والفعل الماضي لا يقع بعد « إلّا » إلّا بأحد شرطين : إمّا تقدّم فعل كهذه الآية ، وإمّا أن يصحب « قد » نحو : ما زيد إلّا قد قام ، فلو فقد الشّرطان امتنع فلا يجوز : ما زيد إلّا قام . قوله : « بالبأساء والضّرّاء » . قال الزّجّاج : « البأساء : كلّ ما ينالهم من الشّدّة في أحوالهم ، والضراء : ما ينالهم من الأمراض » « 2 » . وقيل : « على العكس » . وقال ابن مسعود : « البأساء : الفقر ، والضّرّاء : المرض » « 3 » . وقيل : « البأساء في المال ، والضّرّاء في النّفس » « 4 » . وقيل : « البأساء : البؤس ، وضيق العيش ، والضّرّاء : الضرّ وسوء الحال » « 5 » . وقيل : « البأساء : في الحزن والضّرّاء : في الجدب » « 6 » . « لعلّهم يضّرّعون » لكي يتضرّعوا ؛ فيتوبوا . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 95 ] ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) بين تعالى أنّ تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد وإنّما يدبّرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب فقال : ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ؛ لأنّ ورود النّعمة [ في
--> ( 1 ) سقط من أ . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 150 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 2 / 183 . ( 4 ) المصدر السابق . ( 5 ) المصدر السابق . ( 6 ) المصدر السابق .